الديرة نيوز للانباء ...
حديث الديرة ..
كتب/ ناظم التميمي .
(( الانتخاب الرئاسي بين النص .. والتوافق السياسي . ))
لقد جعل الدستور العراقي لعام 2005 للزمن قيمة دستورية لا تقل أهمية عن النص ذاته ، إذ ربط شرعية المؤسسات بسقوف زمنية تمنع الفراغ السياسي و تحفظ استمرارية الدولة . حيث نصت المادة ( 72/ثانيًا ) منه على أن يُنتخب رئيس الجمهورية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يومًا من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب ، و تستمر ولايته أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط . و قد أراد المشرع من هذا التحديد أن يكون منصب الرئاسة حاضرا مبكرا في الدورة البرلمانية ، كي لا تبقى الدولة بلا رأس دستوري .
كما أوجبت النصوص المنظمة لعمل مجلس النواب انعقاد جلسة خاصة لانتخاب الرئيس ضمن هذا السقف الزمني ، بوصفه التزاما لا يحتمل التأجيل إلا لضرورة قصوى . فالمدة هنا ليست إجراءً شكليا ، بل ضمانة دستورية لأنتظام السلطة .
غير أن الواقع السياسي في العراق كثيرا ما يحول هذا الالتزام إلى رهينة تفاهمات الكتل الكبرى ، حيث بات عقد جلسة الانتخاب مرهونا بموافقة رئاسة المجلس و التوافقات الحزبية ، بل أحيانا بتدخلات تفسيرية من المؤسسات القضائية ، ما يؤدي إلى تجاوز المدة الدستورية تحت عنوان التفاهم السياسي .
و قد تدخلت المحكمة الاتحادية في مثل هذه الحالات مستندة إلى مبدأ استمرارية الدولة ، فأجازت استمرار رئيس الجمهورية بمهام محدودة لحين انتخاب بديل ، منعا لوقوع فراغ مؤسساتي ، رغم أن الأصل هو الالتزام الحرفي بالمدد الدستورية . و في الثلاثين من هذا الشهر حدد البرلمان العراقي موعد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الجديد اليوم الأحد ، وفقا لجدول الأعمال الرسمي المنشور على موقع البرلمان . و يعد انتخاب رئيس الجمهورية ، خطوة أساسية في العملية السياسية في البلاد ، إذ يتولى الرئيس مسؤولية تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة.
و كان مجلس النواب العراقي قد أجل جلسته المقررة ، لأنتخاب رئيس الجمهورية ، بعدما قدم الحزبان الكرديان الرئيسيان طلبا لتأجيلها لإعطاء مزيد من الوقت للمشاورات . ان مدة ولاية رئيس الجمهورية تستمرلـ أربع سنوات ، و يجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فقط ( دورتان كحد أقصى ) . و ينص الدستور في المادة -6- ( ينعقد مجلس النواب قبل انتهاء المدة المحددة في الفقرة ( ب ) من البند( ثانيا ) من المادة ( 72 )من الدستور بدعوة من رئاسة المجلس لأنتخاب رئيس الجمهورية من بين المرشحين الذين توفرت فيهم الشروط القانونية خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب ) و بأحتساب هذه المدة من الجلسة الأولى التي عقدت في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025، فإن السقف الزمني قد انتهى يوم يوم الاربعاء من الاسبوع الماضي و قد تم تأجليه بعد المطالبات و التوافقات إلى يوم الأحد اليوم الموافق 2 كانون الثاني 2026 و تبرز هذه الحقيقة ضرورة الالتزام الدستوري و السياسي بوضوح في مسألة انتخاب رئيس الجمهورية بوصفه رمز وحدة البلاد و حارس الدستور . إن احترام المدة الدستورية لأنتخاب رئيس الجمهورية ليس ترفا إجرائيا ، بل هو اختبار حقيقي لهيبة الدستور . فكل تأخير خارج النص يضعف منطق الدولة القانونية ، و يجعل الشرعية وليدة التوافق لا وليدة الدستور ، بينما الأصل أن يكون الدستور هو الحكم الأعلى لا الأسير للمواقف السياسية .
