الديرة نيوز للانباء ...
حديث الديرة ..
كتب / ناظم التميمي .
(( حينما يكون القانون انسانيا في ادواته ، حازم في قراراته . ))
في زمن تتسارع فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، لم تعد العدالة الجنائية تقاس بصرامة العقوبة وحدها، بل بقدرتها على حماية المجتمع دون أن تتحول إلى عبء إضافي على الأبرياء. فالسجن ، بصيغته التقليدية ، لا يطال الجاني فقط ، بل تمتد آثاره القاسية إلى الزوجة و الأطفال و الأسرة بأكملها ، و كأنهم شركاء في الجريمة و هم في الحقيقة ضحايا لها .
و لهذا اتجهت دول كثيرة إلى تطوير أنظمة بديلة عن السجن الكامل ، من بينها نظام الإفراج المقيد بالمراقبة الإلكترونية ، الذي يسمح للمحكوم ، بعد أن يقضي جزءاً من مدة عقوبته ، بالعودة إلى منزله ضمن شروط صارمة ، تشمل الإقامة الجبرية ، و المراقبة عبر سوار أو شريحة إلكترونية ، و تحديد نطاق مكاني لا يجوز تجاوزه ، مع نظام إنذار يعيد المخالف فوراً إلى السجن دون امتيازات لاحقة .
هذا النظام لا يعني التساهل مع الجريمة ، بل هو صيغة متقدمة للعدالة ، تحقق الردع و تحفظ في الوقت ذاته كيان الأسرة من الانهيار . فالزوجة ليست طرفاً في الحكم ، و الأطفال لم يختاروا أن يحرموا من معيلهم بسبب خطأ لم يرتكبوه . و من هنا تكون العدالة الحقيقية هي التي تعاقب الفعل دون أن تدمّر المحيط الإنساني للجاني .
إلى جانب ذلك ، يبرز ملف آخر لا يقل أهمية ، هو ملف الفساد الوظيفي ، و بخاصة جرائم الرشوة . فما زال بعض الموظفين يتعاملون مع الوظيفة العامة بوصفها فرصة مؤقتة للكسب غير المشروع ، ثم يغادرونها ظناً أن الحساب انتهى مع انتهاء الصفة الوظيفية . و هذه ثغرة خطيرة في منطق الردع .
الإصلاح الحقيقي يقتضي تثبيت قاعدة واضحة : جريمة الرشوة لا تنتهي بترك الوظيفة و لا بالتقاعد . فالموظف المرتشي يجب أن تبقى ملاحقته قائمة ، و أن تُسترد الأموال التي جناها بغير حق ، و أن يُحرم مستقبلاً من تولي أي منصب عام . و بهذا تتحول العقوبة من إجراء آني إلى أثر طويل الأمد يمنع تحويل الفساد إلى مشروع مؤقت بلا كلفة .
إن الجمع بين الإقامة الجبرية الإلكترونية من جهة ، و الملاحقة المستدامة للفساد من جهة أخرى ، يشكل نموذجاً متوازناً للعدالة الحديثة ؛ عدالة لا تكتفي بإغلاق الأبواب خلف الجناة ، و لا تترك المال العام بلا حارس ، بل تعمل على إصلاح الفرد ، و حماية الأسرة ، و صيانة الوظيفة العامة في آن واحد .
فالقانون ، حين يكون إنسانياً في أدواته ، و حازماً في مواجهة الفساد ، يتحول من نص جامد إلى قوة إصلاح حقيقية . و حين لا تعاقَب الأسرة بجريرة فرد ، و لا يُكافأ الفاسد بالهروب من الحساب ، نكون قد اقتربنا من المعنى الحقيقي لكينونة القانون :
عدالة تحمي المجتمع… لا تنتقم منه .
