الديرة نيوز للانباء ...
حديث الديرة ..
كتب / ناظم التميمي .
(( رؤيا فلسفية في التشريعات القانونية .))
في كل مجتمع توجد منظومة قانونية تنظم العلاقة بين أفراده في مختلف الجوانب . فهناك القوانين الشرعية التي تحكم شؤون الأسرة و تختص بها محاكم الأحوال الشخصية و هناك القوانين المدنية التي تنظم المعاملات و التصرفات القولية و الفعلية و آثارها القانونية و تختص بها محاكم البداءة فضلاً عن القوانين الجزائية التي تعالج الجرائم بمستوياتها من مخالفات و جنح و جنايات وفق قانون العقوبات و إجراءات قانون أصول المحاكمات الجزائية .
لسنا بصدد شرح هذه البنية القانونية بقدر ما نريد الإشارة إلى حقيقة مهمة و هي أن تشابه الدول في هيكلة القوانين لا يعني تطابقها في عمق المعالجة . فبعض التشريعات تتسم بالشمول و الدقة بينما تفتقر أخرى إلى نصوص ضرورية تمس حياة الناس اليومية و تمنع تفاقم النزاعات .
و من الأمثلة الواضحة على ذلك ما نجده في التشريع المصري ، الذي يتميز بسعة مواده و عدم تركه فراغا تشريعيا إلا و عالجه بنص صريح ، خصوصًا في القضايا الأسرية و المالية.
اولا : إشكالية الارث و تعطيل الحقوق
في كثير من مجتمعاتنا يموت الأب و تبقى التركة دون تقسيم سنوات طويلة . أحيانا بسبب تعلق الورثة ببيت الأسرة ، و أحيانا بسبب تعنت الابن الأكبر أو رفضه تمكين أخواته من حصصهن خشية استفادة أزواجهن ، أو بدافع السيطرة و الاستحواذ .
النتيجة أن الحق الشرعي يجمد ، و الورثة يترددون في المطالبة احتراما أو خوفا من القطيعة فتتعقد المشكلة و تتحول إلى نزاع اجتماعي و قانوني مزمن . المشرّع المصري عالج هذه الإشكالية بنص قانوني يعاقب كل من يمنع توزيع التركة على الورثة وفق القسمة الشرعية بالغرامة و الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات . و بهذا النص حسمت الاف القضايا العالقة ، و حميت حقوق الورثة دون اللجوء إلى بيع العقار بالمزاد بثمن بخس يضر بالجميع .
و هي خطوة تشريعية مهمة توازن بين حماية الملكية ، و منع الاستغلال ، و صيانة الروابط الأسرية .
ثانيا : عمل الزوجة و واجباتها الأسرية .
كذلك تناول التشريع المصري جانبا حساسا يتعلق بعمل الزوجة خارج المنزل . فالنزاع غالبا ينشأ عندما ترفض الزوجة المساهمة براتبها في مصاريف الأسرة رغم أن العمل يشغل جزءا كبيرا من وقتها و طاقتها .
فالقانون و الشرع يقران بأن الزواج يفرض التزامات متبادلة ، من بينها رعاية الأسرة و تربية الأولاد و القيام بالواجبات المنزلية . و عندما تخرج الزوجة للعمل من ساعات الصباح حتى منتصف النهار أو بعده ، فان هذا الوقت يقتطع من دورها الأسري الذي ينتفع به الزوج و الأطفال حتى و ان كان بموافقة الزوج
و من هنا جاء اجتهاد المشرع المصري باعتبار أن العوض الذي تحصل عليه الزوجة مقابل هذا الوقت و الجهد لا يكون خالصا لها وحدها ، بل للأسرة ، لأن المستفيد الحقيقي من عملها خارج البيت هو الكيان العائلي ذاته . و بذلك حاول القانون خلق توازن بين حق المرأة في العمل و حق الأسرة في الاستقرار ، و منع تحول الراتب إلى أداة نزاع بدل أن يكون وسيلة دعم .
إن كثيرا من مشاكلنا الاجتماعية ليست ناتجة عن سوء نيات فقط ، بل عن فراغ تشريعي أو ضعف في النصوص الرادعة . و التجربة المصرية تقدم نموذجا مهما في سد هذه الثغرات ، سواء في الارث أو في تنظيم العلاقة المالية داخل الأسرة .
و المطلوب اليوم هو مراجعة تشريعاتنا بروح واقعية ، تحفظ الحقوق، وتمنع التعسف ، و تغلق الأبواب أمام النزاعات قبل أن تتحول إلى أزمات طويلة الأمد .
