الديرة نيوز للانباء...
حديث الديرة كتب . ناظم التميمي .
( لا يهش . ولا ينش . )
حين تتحول الحيادية إلى تقصير..
تختزن الامثال الشعبية حكمة المجتمع و خبرته المتراكمة و من بين تلك الأمثال الشائعة في اللهجة العربية و العراقية على وجه الخصوص ( لا يهش و لا ينش ) و هو مثل بسيط في الفاظه عميق في دلالاته يطلق على الشخص الذي لا يقوم بدور يذكر فلا يدفع اذى و لا يحقق نفعا وجوده كعدمه و إن حضر لا يحسب و ان غاب لا يفتقد .
لغويا فإن « يهش » من الفعل هش و يعني الطرد أو الابعاد كقولنا : يهش الذباب أي يبعده و يمنعه . أما ( ينش ) فمن الفعل نش و يعني التحريك أو الاثارة او الايقاظ كقولنا : ينش المشكلة اي يثيرها أو يحركها . و عليه فان من ( لا يهش و لا ينش ) هو شخص لا يدفع ضررا و لا يحرك ركودا و لا يسهم في حل و لا حتى في موقف . و قد يكون هذا الوصف مقبولا الى حد ما عند الحديث عن بعض الأفراد في الحياة اليومية ممن يفضلون العزلة او لا يمتلكون القدرة او التأثير . غير ان خطورة هذا المثل تتجلى حين يسقط على المسؤول او السياسي او كل من يتصدى لموقع في الدولة . فهنا لا يعود الامر صفة شخصية بل يتحول الى اخلال بالواجب و اهمال للثقة العامة و شكل من اشكال الفساد الصامت . ان المسؤول الذي لا يهش و لا ينش لا يمكن تبرير وجوده بالحياد أو التوازن لان الحياد في موقع القرار ليس فضيلة دائما بل قد يكون تواطؤا غير معلن او عجزا مغطى بالصمت . فالمسؤول الحقيقي مطالب بالعمل ليل نهار بتفعيل دوره القيادي و بالدفاع عن حقوق الناس و بمواجهة الخطأ و الفساد لا بالاختباء خلف النصوص أو الاعراف . و في التجربة السياسية العراقية يلاحظ كثيرون ان بعض المواقع السيادية و في مقدمتها منصب رئيس الجمهورية في دورات سابقة بدت وكأنها مناصب شكلية او فخرية مقيدة او معطلة لا تمارس دورها الدستوري الفاعل في حماية الدستور او مراقبة الاداء العام . كما لا يمكن إغفال حال بعض النواب الذين غابت اسماؤهم عن التشريع و الرقابة و حضرت فقط في سجلات السفر و الغياب حتى بات وجودهم مثالا واضحا لمقولة ( لا يهش و لا ينش ) . و لا يعني ذلك أن المطلوب من المسؤول أن يكون صداميا أو مثيرا للازمات لكن الفرق كبير بين الحكمة و الجمود و بين الحياد المسؤول و اللاموقف . فعدم نصرة المظلوم او السكوت عن الخطا او الهروب من المسؤولية لا يمكن تسميته حيادا لا في السياسة و لا حتى في العلاقات الاجتماعية . ان اخطر ما في ( لا يهش و لا ينش ) حين تتحول من وصف ساخر الى نهج ادارة و من حالة فردية إلى ظاهرة عامة . فالدول لا تدار بالصمت و لا تبنى بالمواقف الرمادية و لا تحفظ حقوق شعوبها بمسؤولين لا يغضبون احدا و لا ينصفون احدا . و في النهاية يبقى المثل الشعبي صادقا في توصيفه لكنه يصبح اتهاماً خطيرا حين يطبق على من اوكلت اليهم مصائر الناس . فالمسؤول الذي لا يهش و لا ينش لا يستحق المنصب لأن اخطر الضر هو الضرر الذي يأتي بصمت .
.jpg)