الديرة نيوز للانباء ...
حديث الديرة ..
كتب . ناظم التميمي .
(( الأقاليم في العراق بين الواقع وفدرالية الدستور . ))
يعد النظام الفدرالي أحد الركائز الأساسية التي قام عليها الدستور العراقي الدائم لعام 2005، حيث أتاح للمحافظات فرصة التحول إلى أقاليم و التتمتع بصلاحيات واسعة. و مع تكرار الأزمات السياسية في البلاد، يبرز ملف ( الأقاليم ) كواجهة للحل عند البعض. فما هي الآليات القانونية التي وضعها المشرّع العراقي لتحقيق ذلك؟ و ما الذي يمنع تفعيلها على أرض الواقع ؟
لقد رسم الدستور العراقي في مواده (من 116 إلى 121) مساراً واضحاً لإنشاء الأقاليم، مانحاً المحافظات الحق في إدارة شؤونها بعيداً عن المركزية المطلقة. و تبرز في هذا السياق ثلاث مواد جوهرية :
المادة (119) : و تعتبر حجر الزاوية ، حيث تمنح الحق لكل محافظة أو أكثر لتكوين إقليم بناءً على طلب للاستفتاء يُقدم بطريقتين : إما عبر ثلث أعضاء مجلس المحافظة ، أو بطلب من عُشر الناخبين في تلك المحافظة
المادة (120): تمنح الإقليم الناشئ الحق في وضع دستور خاص به ، يحدد هيكل سلطاته و صلاحياته ، شريطة أن لا يتعارض هذا الدستور مع الثوابت الواردة في الدستور الاتحادي.
المادة (121): تفصّل في صلاحيات الإقليم، حيث يحق له ممارسة السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية مع ضمان حصة عادلة من الإيرادات الوطنية ، و حق إنشاء قوى أمن داخلي ( شرطة و حرس أقاليم ).
و لتنظيم هذه المواد، صدر القانون رقم (13) لسنة 2008، الذي حدد الإجراءات التنفيذية بدقة من خلال :
- تقديم الطلب عبر القنوات القانونية ( مجلس المحافظة أو جماهيرياً ).
- الاستفتاء الشعبي : يُجرى استفتاء عام ، و يُعتبر الإقليم قائماً إذا وافق عليه نصف المصوتين زائد واحد.
- المصادقة و الإعلان : تصادق المحكمة الاتحادية العليا على النتائج، ثم يصدر رئيس الوزراء قراراً رسمياً بإعلان الإقليم.
رغم وضوح النصوص القانونية، لم يشهد العراق تطبيقاً فعلياً لهذه المواد سوى في إقليم كردستان (الذي كان قائماً بوضع خاص). و مع كل هزة سياسية، ينقسم الشارع العراقي حول هذا الملف إلى خطين:
- خط الداعم : يرى في الأقاليم الحل الأمثل لإنهاء ( ديكتاتورية المركزية ) و يؤكد أن الفدرالية ستقضي على البيروقراطية و تعزز من جودة الخدمات و تمنح المحافظات فرصة استثمار مواردها و تطوير واقعها المعيشي بشكل مباشر.
- الخط المعارض : يعتبر دعوات الاقليم ( خيانة ) لوحدة التراب الوطني و مشروعاً لتقسيم البلاد مدفوعاً بأجندات خارجية ، و أن تحول المحافظات إلى أقاليم قد يضعف الدولة المركزية و يؤدي إلى صراعات داخلية على الموارد و الحدود الإدارية.
يبقى الدستور العراقي دستوراً فيدرالياً بإمتياز من الناحية النظرية ، إلا أن ( هواجس التقسيم ) و التعقيدات السياسية جعلت من مواد الأقاليم نصوصاً معطلة عملياً . و يبقى ملف الأقاليم ورقة ضغط سياسية تظهر في الأزمات و تغيب في فترات الاستقرار ، بأنتظار توافق وطني حقيقي يوازن بين وحدة الدولة و صلاحية المكونات و
إرادة الشعب .
